أبي حيان الأندلسي

365

البحر المحيط في التفسير

غرفا ، إما على إسقاط حرف الجر ، أي في غرف ، ثم اتسع فحذف ، وإما على تضمين الفعل معنى التبوئة ، فتعدى إلى اثنين ، أو شبه الظرف المكاني المختص بالمبهم يوصل إليه الفعل . وروي عن ابن عامر : غرفا ، بضم الراء . وقرأ ابن وثاب : فنعم ، بالفاء ؛ والجمهور : بغير فاء . الَّذِينَ صَبَرُوا : أي على مفارقة أوطانهم والهجرة وجميع المشاق ، من امتثال الأوامر واجتناب المناهي . وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ : هذان جماع الخير كله ، الصبر وتفويض الأمور إلى اللّه تعالى . ولما أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، من أسلم بمكة بالهجرة ، خافوا الفقر فقالوا : غربة في بلاد لا دار لنا ، ولا فيه عقار ، ولا من يطعم . فمثل لهم بأكثر الدواب التي تتقوت ولا تدّخر ، ولا تروّى في رزقها ، ولا تحمل رزقها ، من الحمل : أي لا تنقل ، ولا تنظر في ادخار ، قاله مجاهد ، وأبو مجلز ، وعلي بن الأقمر . والادخار جاء في حديث : « كيف بك إذا بقيت في حثالة من حثالة الناس يخبئون رزق سنة لضعف اليقين ؟ » قيل : ويجوز أن يكون من الحمالة التي لا تتكفل لنفسها ولا تروى . وقال الحسن : لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا : لا تدخر ، إنما تصبح فيرزقها اللّه . وقال ابن عباس : لا يدخر إلا الآدمي والنمل والفأرة والعقعق ، وقيل : البلبل يحتكر في حضنيه ، ويقال : للعقعق مخابئ ، إلا أنه ينساها . وانتفاء حملها لرزقها ، إما لضعفها وعجزها عن ذلك ، وإما لكونها خلقت لا عقل لها ، فيفكر فيما يخبؤه للمستقبل : أي يرزقها على ضعفها . وَإِيَّاكُمْ : أي على قدرتكم على الاكتساب ، وعلى التحيل في تحصيل المعيشة ، ومع ذلك فرازقكم هو اللّه ، وَهُوَ السَّمِيعُ لقولكم : نخشى الفقر ، الْعَلِيمُ بما انطوت عليه ضمائركم . ثم أعقب تعالى ذلك بإقرارهم بأن مبدع العالم ومسخر النيرين هو اللّه . وأتبع ذلك ببسط الرزق وضيقه ، فقال : اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ أن يبسطه ، وَيَقْدِرُ لمن يشاء أن يقدره . والضمير في له ظاهره العود على من يشاء ، فيكون ذلك الواحد يبسط له في وقت ، ويقدر في وقت . ويجوز أن يكون الضمير عائدا عليه في اللفظ ، والمراد لمن يشاء آخر ، فصار نظير : وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ ، وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ « 1 » : أي من عمر معمر آخر . وقولهم : عندي درهم ونصفه : أي ونصف درهم آخر ، فيكون المبسوط له الرزق غير المضيق عليه الرزق . وقرأ علقمة الحمصي : ويقدر : بضم الياء وفتح القاف وشد الدال ، عَلِيمٌ : يعلم ما يصلح العباد وما يفسدهم .

--> ( 1 ) سورة فاطر : 35 / 11 .